من سلسلة «تأمّل ثقافي»

يهبط بيلي من سيارته ببطء. شعر قصير من الأمام وطويل من الخلف، ونظرة واثقة، وثلاث فتيات لا يستطعن رفع أعينهن عنه.

لحظة قصيرة، لكنك تشعر بشيء. لا تعرف اسمه بالضبط. ليس إعجابًا ببيلي نفسه، فهو ليس أطيب شخصيات المسلسل. إنه شوق غريب إلى زمن لم تعش فيه يومًا.

هل جرّبت هذا من قبل؟ تشاهد مسلسلًا عن عام 1985 وتتمنى لو كنت هناك. تبحث في خزانتك عن جينز واسع أو سترة بلون صارخ. تفتح هاتفك وتبحث عن أغنية عمرها أربعون عامًا، فتجد نفسك تردد كلماتها.

ما هذا السحر؟ ومن الذي صنعه؟ تعال نفتح الباب ونعرف السر.

شوق إلى بيت لم تسكنه

قبل أن نتحدث عن الأزياء، لنفهم الشعور نفسه. قضت سفيتلانا بويم، أستاذة الأدب في جامعة هارفارد، سنوات طويلة تدرس الحنين، وكتبت عنه كتابًا بعنوان «مستقبل الحنين». وفيه عرّفته بجملة بسيطة ومدهشة:

«شوق إلى بيت لم يعد موجودًا، أو لم يوجد أصلًا.» — سفيتلانا بويم، «مستقبل الحنين»

توقف عند الجزء الأخير: أو لم يوجد أصلًا. أي أن قلبك يستطيع أن يشتاق إلى مكان لم تدخله قط. وهذا بالضبط ما يفعله بنا «Stranger Things».

عبقرية الأخوين دافر: صنعا شعورًا لا مسلسلًا

هناك مفارقة جميلة: صانعا المسلسل نفسيهما لم يعيشا ذلك الزمن. وُلد مات وروس دافر عام 1984، أي بعد الزمن الذي تدور فيه الحكاية بعام (Rolling Stone). كلاهما كان يشتاق إلى عالم عرفه من الأفلام أكثر مما عرفه من الواقع.

فماذا فعلا؟ حين أرادا إقناع الناس بفكرتهما، لم يكتبا ملخصًا طويلًا. صنعا مقطعًا دعائيًا من نحو 30 فيلمًا قديمًا، وقصّا مشاهده ولصقاها لتحكي قصة المسلسل (NPR). لم يشرحا الفكرة بالكلمات. أعطيا الناس الإحساس مباشرة.

وهنا تظهر عبقريتهما. هما لا ينسخان الثمانينات كما كانت، بل ينسخان شعورنا حين نشاهد أفلامها. وقد قال المنتج والمخرج شون ليفي، الذي عمل في المسلسل، إنه حنين إلى أفلام الثمانينات، وربما أكثر منه حنين إلى الحياة الحقيقية في تلك الأيام (Den of Geek).

وعن تلك الأفلام يقول مات دافر إنهما حين شاهداها «شعرنا أننا انتقلنا إلى عالم آخر» (SciFiNow). وهذا ما أرادا أن يمنحاه لنا: تذكرة سفر إلى طفولة لا تخص أحدًا بعينه.

لذلك تجد في المسلسل دراجات هوائية ومخابئ سرية وأطفالًا يتحدثون بأجهزة لاسلكية في الليل. هذه ليست زينة. إنها مفاتيح تفتح باب الطفولة عند كل مشاهد، سواء وُلد عام 1975 أو عام 2005.

الملابس: قطعة قماش تحمل ذكرى

لننتقل إلى ما جئنا من أجله: الأزياء. وسأبدأ بقصة تلخص كل شيء.

في الموسم الثاني ظهر الطفل دستن بسترة بنفسجية عليها صورة ديناصور. لم تكن تصميمًا جديدًا، بل سترة حقيقية باعها متحف العلوم في ولاية مينيسوتا في أوائل الثمانينات. وجدتها مصممة الأزياء كيم ويلكوكس وهي تبحث عن إلهام، وقالت إن الفريق «وجد نسخة قديمة على الإنترنت» (WGN).

والنتيجة؟ أغرق المشاهدون موقع المتحف بالطلبات حتى تعطّل، فقرر المتحف أن يعيد بيع هذه السترات (NME، CNBC).

فكّر في هذا لحظة: قطعة قماش ظهرت دقائق على الشاشة، فجعلت الآلاف يريدون امتلاك الماضي.

والتفاصيل أعمق من ذلك. في الموسم الأول اهتمت المصممة كيمبرلي آدمز بعمر الملابس نفسه. ملابس ويل بدت قديمة ومتوارثة، أما ملابس مايك فكانت أحدث لأن أمه اشترتها له مع بداية العام الدراسي (Tyranny of Style). أنت لا تلاحظ هذا بوعي، لكن عقلك يلتقطه ويفهم قصة كل طفل دون كلمة.

ثلاث فتيات بأزياء الثمانينات الجريئة

وفي حلقة الهالوين، صُنعت أزياء صائدي الأشباح يدويًا لكل شخصية على حدة (Bloody Disgusting). أما إيمي باريس، مصممة الأزياء في المواسم اللاحقة، فتستعين بمراجع حقيقية من الثمانينات، منها كتب الذكرى المدرسية القديمة (Parade). وصممت لشخصية إيدي قميصًا يعبّر عن روح الميتال والتمرد في ذلك العقد (V&A).

الفكرة واحدة: لا أحد هنا يرتدي «زيًّا». كل قطعة تتذكّر معنا.

التسريحات: شعر يعلن من أنت

وعدتك بالعودة إلى بيلي، فشعره هو النجم الثاني في المشهد. اسمه «موليت» (Mullet). وبعد الموسم الرابع عاد هذا الشعر إلى الشوارع، كما لاحظ الأكاديميان توم فان لير من جامعة سيدني وديفيد كريستيان أورازي من جامعة موناش. وعاد معه تجعيد الشعر الذي ظهرت به نانسي وكارين ويلر، وعاد مشبك الشعر الصغير الشهير على شكل موزة (Daily Maverick / The Conversation).

لماذا تؤثر فينا التسريحة إلى هذا الحد؟ لأن الشعر أول ما نراه في أي وجه. وفي الثمانينات كان الشعر إعلانًا: أنا متمرد، أنا هادئ، أنا من جمهور الروك. ولهذا يبدو شعر بيلي أكبر من قصة شعر. إنه جملة كاملة يقولها قبل أن ينطق.

الأجواء: حين يعود صوت الماضي

وللأجواء موسيقاها. بعد الموسم الرابع تصدّرت أغنية كيت بوش «Running Up That Hill» قوائم سبوتيفاي، وانضمت إليها «Master of Puppets» لفرقة ميتاليكا (المصدر نفسه). أغنيتان عمرهما نحو أربعة عقود، تتصدران قوائم جيل لم يكن قد وُلد عند صدورهما.

وهذه ليست صدفة. هذه هي الوصفة: ثوب ثم شعر ثم أغنية ثم لعبة قديمة، وكلها تقول لك الشيء نفسه: تعال، هذا البيت لك.

خلف كاميرات المسلسل: مشهد يُصنع لتجعلنا نشتاق

ماذا يقول العلماء؟

ثلاثة أصوات تشرح لنا هذا السحر.

الأول: الحنين يمنحنا الانتماء. وصف عالما النفس كونستانتين سيديكيدس وتيم فيلدشوت من جامعة ساوثهامبتون الحنين بأنه شعور حلو ومرّ معًا، لكنه «حلو أكثر منه مرّ» (بحثهما). وأظهرت دراسات فريقهما أن الحنين يرفع إحساس الناس بالمعنى في حياتهم، وأن هذا يحدث عبر شعورهم بأنهم جزء من جماعة (دراسة 2011). أي أننا لا نهرب إلى الثمانينات فقط. نحن نبحث عن مكان ننتمي إليه.

الثاني: الذاكرة المستعارة. تسمي عالمة النفس زهال النجار هذه الظاهرة «الحنين من الدرجة الثانية»: عاطفة تتكوّن من كثرة المشاهدة لا من التجربة. وتقول: «مع الوقت، قد يبدأ هذا التعرّض في أخذ مكان الذاكرة» (AUD). وينقل المقال نفسه عن استطلاع هاريس 2023 أن 60% من البالغين في جيل Z قالوا إنهم يفضلون العودة إلى زمن ما قبل الاتصال الرقمي الواسع.

الثالث: نرتدي الماضي لنتظاهر بأننا كنا فيه. يسمي فان لير وأورازي هذا «الحنين الزائف». فشباب اليوم يستهكون ثقافة الثمانينات ليعيشوا الشوق إلى ذلك الزمن، وكأنهم كانوا جزءًا منه. وقد بيعت قبعة بنفسجية نيون وسترة واقية واسعة من تعاون المسلسل مع علامة «كويكسيلفر» في أنحاء العالم. ثم يذكّران بحقيقة مهمة: «هذه ليست الثمانينات الحقيقية» (المصدر نفسه).

هل كانت الثمانينات جميلة هكذا فعلًا؟

صدق؟ ليس تمامًا. الثمانينات في المسلسل نسخة منقّحة: ألوان جميلة وموسيقى رائعة وأصدقاء لا يفترقون. أما القلق والأخبار الثقيلة وملل الأيام العادية فلا مكان لها على الشاشة.

ولا ينقص هذا من عبقرية الأخوين دافر. بل يشرحها. هما يعرفان أن الناس لا تشتاق إلى الواقع، بل إلى الإحساس. وروس دافر نفسه يقول إن اختيار الثمانينات كان لأسباب محددة وإن الأمر «لم يكن مجرد حنين خالص» (Vice). ومن هذه الأسباب، كما قال في حوار آخر، أن الأصدقاء في تلك الأيام كانوا يلتقون بالطرق على باب الجار، وأن كل شيء كان يحتاج وقتًا أطول (Hot Press). بطء جميل لا نعرفه اليوم.

ثمانيناتنا نحن

وفي النهاية، لكل واحد منا ثمانينات خاصة به، حتى لو لم يعشها. افتح ألبوم صور عائلتك: ألوان باهتة، وأعمام بشوارب كثيفة، وأمهات بتسريحات منتفخة، وأشرطة كاسيت في زاوية الغرفة. ربما شوقنا إلى ثمانينات المسلسل هو في الحقيقة قناع لشوق أقرب: أن نرى والدينا شابَّين، وأن نعرف من كانا قبل أن نكون.

الخلاصة

لم يكن «Stranger Things» مجرد مسلسل عن الثمانينات. كان آلة تذكّر صنعها رجلان يعرفان أن القلب لا يسأل: هل كنت هناك؟ بل يسأل: هل شعرت بهذا من قبل؟

وأنت، بعد كل هذا، جرّب أن تسأل نفسك: ما القطعة التي ترتديها اليوم فتشعرك بزمن لم تعشه؟ اكتب لنا في التعليقات، وأرسل المقال لصديق يعرف هذا الشعور.

المراجع

الاقتباسات أعلاه مترجمة من الإنجليزية إلى العربية.

  • Svetlana Boym, The Future of Nostalgia (2001)، مقتبس في ورقة UCL.
  • Rolling Stone: ولادة الأخوين دافر عام 1984
  • NPR/WYPR: المقطع الدعائي من نحو 30 فيلمًا
  • Den of Geek: حوار شون ليفي
  • SciFiNow: حوار الأخوين دافر
  • Vice: روس دافر
  • Hot Press: That Eighties Show
  • WGN، NME، CNBC: قصة سترة دستن
  • Tyranny of Style: حوار كيمبرلي آدمز
  • Bloody Disgusting: كيم ويلكوكس وحلقة الهالوين
  • Parade/AOL: إيمي باريس
  • V&A: أفضل أزياء المسلسل
  • van Laer & Orazi, The Conversation عبر Daily Maverick (2022)
  • Sedikides & Wildschut, Finding Meaning in Nostalgia
  • Routledge et al. (2011), Nostalgia as an existential resource
  • مركز AUD: Why Gen Z Is Nostalgic for a Past They Never Lived